فخر الدين الرازي

64

تفسير الرازي

ثم قال تعالى * ( وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ ياقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَارْجُواْ الْيَوْمَ الاَْخِرَ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الاَْرْضِ مُفْسِدِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ) * . لما أتم الحكاية الثانية على وجه الاختصار لفائدة الاعتبار شرع في الثالثة وقال : * ( وإلى مدين أخاهم ) * واختلف المفسرون في مدين ، فقال بعضهم إنه اسم رجل في الأصل وحصل له ذرية فاشتهر في القبيلة كتميم وقيس وغيرهما ، وقال بعضهم اسم ماء نسب القوم إليه ، واشتهر في القوم ، والأول كأنه أصح وذلك لأن الله أضاف الماء إلى مدين حيث قال : * ( ولما ورد ماء مدين ) * ( القصص : 23 ) ولو كان اسماً للماء لكانت الإضافة غير صحيحة أو غير حقيقة والأصل في الإضافة التغاير حقيقة ، وقوله : * ( أخاهم ) * قيل لأن شعيباً كان منهم نسباً ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال الله تعالى في نوح : * ( ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه ) * ( العنكبوت : 14 ) قدم نوحاً في الذكر وعرف القوم بالإضافة إليه وكذلك في إبراهيم ولوط ، وههنا ذكر القوم أولاً وأضاف إليهم أخاهم شعيباً ، فنقول الأصل في جميع المواضع أن يذكر القوم ثم يذكر رسولهم لأن المرسل لا يبعث رسولاً إلى غير معين ، وإنما يحصل قوم أو شخص يحتاجون إلى إنباء من المرسل فيرسل إليهم من يختاره غير أن قوم نوح وإبراهيم ولوط لم يكن لهم اسم خاص ولا نسبة مخصوصة يعرفون بها ، فعرفوا بالنبي فقيل قوم نوح وقوم لوط ، وأما قوم شعيب وهود وصالح فكان لهم نسب معلوم اشتهروا به عند الناس فجرى الكلام على أصله وقال الله : * ( وإلى مدين أخاهم شعيباً ) * وقال : * ( وإلى عاد أخاهم هوداً ) * ( الأعراف : 65 ) . المسألة الثانية : لم يذكر عن لوط أنه أمر قومه بالعبادة والتوحيد ، وذكر عن شعيب ذلك ؟ قلنا قد ذكرنا أن لوطاً كان له قوم وهو كان من قوم إبراهيم وفي زمانه ، وإبراهيم سبقه بذلك واجتهد فيه حتى اشتهر الأمر بالتوحيد عند الخلق من إبراهيم فلم يذكره عن لوط وإنما ذكر منه ما اختص به من المنع عن الفاحشة وغيرها ، وإن كان هو أيضاً يأمر بالتوحيد ، إذ ما من رسول إلا ويكون أكثر كلامه في التوحيد ، وأما شعيب فكان بعد انقراض القوم فكان هو أصلاً أيضاً في التوحيد فدأبه وقال : * ( اعبدوا الله ) * . المسألة الثالثة : الإيمان لا يتم إلا بالتوحيد ، والأمر بالعبادة لا يفيده لأن من يعبد الله